عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

448

اللباب في علوم الكتاب

تجعله « 1 » صفة على إضمار القول كما تقدم . قال أهل المعاني : قراءة الأخوين أولى لأنهم علموا أنهم اتخذوهم سخريا لقوله تعالى : فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي فلا يستقيم الاستفهام . وتكون « أم » على هذه القراءة بمعنى « بل » « 2 » وأجاب الفراء عن هذا بأن قال : هذا من الاستفهام الذي معناه التعجب والتوبيخ . ومثل هذا الاستفهام جائز عن الشيء المعلوم « 3 » ومن فتح الألف قال هو على اللفظ لا على المعنى ليعادل « أم » في قوله « أَمْ زاغَتْ » « 4 » . فإن قيل « 5 » : فما الجملة المعادلة بقوله : « أَمْ زاغَتْ » على القراءة الأولى ؟ فالجواب : أنها محذوفة ، والتقدير : أم زاغت عنهم الأبصار « 6 » . وقرأ نافع سخريّا - بضم السّين - والباقون بكسرها . فقيل : هما بمعنى ، وقيل : الكسر بمعنى الهزء ، وبالضم التذليل والتسخير « 7 » وأما نظم الآية على قراءة الإخبار فالتقدير : ما لنا نراهم حاضرين لأجل أنّهم لحقارتهم تركوا لأجل « 8 » أنهم زاغت عنهم الأبصار ، ووقع التعبير عن حقارتهم بقولهم : « أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا » وأما على قراءة الاستفهام فالتقدير لأجل أنّا قد اتخذناهم سخريا وما كانوا كذلك فلم يدخلوا « 9 » لأجل أنه زاغت عنهم الأبصار . فصل [ في معنى الآية : « أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ » ] معنى الآية : وما لنا لا نرى هؤلاء الذين اتخذناهم سخريا لم يدخلوا معنا النّار أم دخلو ( ها ) فزاغت أي فمالت عنهم أبصارنا « 10 » فلم نرهم حتى دخلوا . وقيل : ( أم ) « 11 » هم في النار ولكن احتجبوا عن أبصارنا ، وقال ابن كيسان أم كانوا خيرا منا ونحن لا نعلم فكان أبصارنا تزيغ عنهم في الدنيا فلا نعدهّم شيئا « 12 » .

--> ( 1 ) في ب : تجعل . ( 2 ) نقله البغوي في معالم التنزيل 6 / 63 والرازي في التفسير الكبير 26 / 223 . ( 3 ) قال : « واستفهم الحسن وعاصم وأهل المدينة وهو من الاستفهام الذي معناه التعجب والتوبيخ ، فهو يجوز بالاستفهام وبطرحه » . المعاني 2 / 411 . ( 4 ) البغوي المرجع السابق ، والرازي 26 / 223 . ( 5 ) هذا طرح لسؤال من الرازي في التفسير الكبير المرجع السابق . ( 6 ) الأصح كما فيه : ( المقصودون هم ) أم زاغت . ( 7 ) سبق هذا ولكن المئلف نقل كلام الرازي في تلك القراءة وكان الأولى أن لا يذكرها ما دام قد ذكرها قبل وانظر الرازي 26 / 223 وفيه « بمعنى واحد ، وبالضم هو التذليل والسخير » . ( 8 ) في الرازي : أو لأجل . ( 9 ) وفيه : فلم يدخلوا النار أم لأجل الخ . . . وانظر : الرازي المرجع السابق . ( 10 ) في ب : الأبصار . ( 11 ) ما بين القوسين سقط من ب . ( 12 ) قال هذا البغوي في معالم التنزيل 6 / 63 .